ابن عربي

219

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 147 إلى 148 ] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها » والعارف متصرف في كل وجهة لكونه يشاهد وجهه .

--> ما جاءك من العلم ) ثم يرجع القارئ بعد الوقوف عليه لبيان ما ذكرناه يبتدئ به فيقول : « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » * يعني أهل التوراة والإنجيل « يعرفونه » تحويل القبلة في كتابهم ، فالضمير يعود عليه هنا وأنه مذكور ، ومن أعاده على محمد عليه السلام فيتكلف وله موضع آخر « كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ » لا يشكون فيه ، فإن إخبار اللّه لا شك فيه ، وتقليده فيما أخبر به علم ، وتقليد الرجل المرأة أن هذا الولد له لا يقوى هذه القوة ، لإمكان الخيانة والكذب الذي يجوز عليها ، واللّه يستحيل عليه ذلك ، وإنما قرنه بمعرفة الأبناء وإن كان يتطرق إليه الشكّ لوجهين ، وهما : أن مثل هذا من حصول الفراش ، أو إلحاق الابن به في شرعهم هو ابنه شرعا ، ولا يجوز له إنكاره ، وقد كان هذا مقررا عندهم ، وفي الجاهلية يعرف ذلك من يعرف أنكحتهم ، فبهذا القدر وقع التشبيه وإلا كان المشبه أبين من المشبه به ، والمراد زيادة البيان في التشبيه ، ثم استثنى العلماء من أهل الكتاب الذين كتموا الحق بعد علمهم من العلماء الذين ما كتموه ومن المقلدين للكاتمين والمقرين ، فأخبر عنهم بكتمانهم الحق بعد علمهم به فقال : « وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » الألف واللام للعهد ولجنس الحق ، أي كل حق يأتيهم به ، أو الحق الذي تقدم ذكره من تحويل القبلة ، لأنه قد تقدم الإخبار عنهم في ذلك في قوله في أول القصة : ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) ثم قال : « الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » بالنصب والرفع ، فنصبه على وجهين : الوجه الواحد على البدل من الحق المكتوم ، فإنه أبين من الحق الأول بإضافته إلى الرب في قوله : ( مِنْ رَبِّكَ ) والثاني أن يكون مفعولا لقوله : « وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ » ، ومن رفعه فعلى الابتداء « فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » في كذبهم ، ويكون ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) تفسيرا لقول اللّه ( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ) فهذا الحق ما هو ذلك الحق ، مع أنه عليه السلام لا يمتري في شيء مما يخبره اللّه ، ولكن فيه إشارة ودليل على الأخذ بالظاهر وترك التأويل لما يتطرق إلى الكلام من الاحتمالات في التأويل ، فكأنه يقول : هو كما أخبرتك لا تأويل فيه ، كما قال : ( إِنْ هُوَ إِلَّا *